الشيخ أحمد فريد المزيدي

320

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

المألوف ، فإنّ النّفوس إذا ألفت فعل الخير صار خلقا من أخلاقها ، وسكنت إلى أنّه موضع لما أهّلت له ، وارتدت به . وترى أن الذي جرى عليه من فعل ذلك فيها هي له أهل ، ويرصدها العدو المقيم بفنائها والمجعول له السبيل على مجاري الدّمّ فيها ، فيرى هو بقوّة كيده خفية غفلتها ، فيختلس بممايلة الهوى ما لا يمكنه الوصول إلى اختلاسه في غير تلك الحال ، فإن تألم لوكزته منه وعرف نفسه أسرع بالإنابة إلى من لا تقع الكفاية منه إلا به ، فاستقصى من نفسه علم الحالة التي منها وصل عدوه إليه ، فحرسها بلياذة اللجأ ، وإلقاء الكنف ، وشدة الافتقار ، وطلب الاعتصام . كما قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف ابن يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ [ يوسف : 33 ] . وعلم يوسف أن كيد الأعداء مع قوّة الهوى لا ينصرف بقوّة النفس فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ يوسف : 34 ] . وأما الموطن الّذي يستحضر فيه عقله لرؤية مجاري الأحكام وكيف يقبله التدبير ، فهو أفضل الأماكن ، وأعلى المواطن ، فإن اللّه أمر جميع خلقه أن يواصلوا عبادته ، ولا يسأموا خدمته ، فقال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] ، فألزمهم دوام العبادة ، وضمن لهم عليها في العاجل الكفاية ، وفي الآجل جزيل الثواب ، فقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الحج : 77 ] ، وهذه كلها عبادة تلزم كلّ الخلق . ووقف ليرى كيف تصرف الأحكام ، فقد عرض لرفيع العلم والمعرفة ، ألا تعلم أنه قال تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [ الرحمن : 29 ] ، يعني شأن الخلق . وأنت أيّها الواقف لترى أنّك من الخلق الّذي هو في شأنهم ، أفترى شأنك مرضيّا عنده ؟ ولن يقدر أحد على استحضار عقله إلا بانصراف الدّنيا وما فيها عنه ، وخروجها من قبله . فإذا انقضت الدنيا ، وبادت وباد أهلها ، وانصرفت عن القلب ، خلا بمسامرة رؤية التّصرف واختلاف الأحكام وتفصيل الأقسام . ولن يرجع قلب من هذا وصفه إلى شيء من الانتفاع بما في هذه الدار التي عنها خرج ، ولها ترك ، ومنها هرب ؛ ألا ترى إلى حارثة حين يقول : عزفت نفسي عن الدنيا ، ثم يقول : وكأنّي أنظر إلى عرض ربي بارزا ، وكأنّي بأهل الجنة يتزاورون وكأنّي . . . وكأنّي . . .